أبو الحسن العامري
408
رسائل أبو الحسن العامري
بشرف الحكمة فإنه يصير ممتحنا بالعوام ، مغتبطا في نفسه . ومتى اقترن أحد الفوزين بالآخر فقد كملت بهما النحيزة واستحكمت الأمنة . - متى تجاذب الخصمان - أعني العقل والطبع - شيئا واحدا ، أعني الملذّ القبيح والمؤلم الجميل ، بحسب غرضهما ، أعني الكمال الجسماني ، والكمال الروحاني ؛ وافتقر إلى الحكم المنصوب بينهما ، أعني القوة المدبّرة - فعند ذلك يبادر الشيطان إلى نصرة الطبع ، ويبادر الملك إلى نصرة العقل . فمتى كان الحكيم شيطاني السوس ، اتّبع العقل الطبيعة ، ومتى كان ملكي السوس اتّبع الطبيعة العقل . وأعني بالملكي السوس الأحكام الإلهية ، وأعني بالشيطاني السوس الأسباب التي تلهو بها طبقات الفسقة . ولن يصير [ نفس ] الحكيم ، أعني القوة المدبّرة ، شيطانية السوس بنفس الجبلّة دون أن يتفق لها الأراذل من القرناء . ولن يصير [ نفس الحكيم ] أيضا ملكيّ السوس ، بنفس الجبلّة ، دون أن يتفق لها الأفاضل من القرناء . ومبدأ الأمر فيه ليس بموكول اليه لكنه موكول إلى من يلي التدبير عليه . - مراتب الأفعال الحيوانية ثلاثة : أولها الافتقارية ، وهي كمرتبة الفرخ في التربية ، والصبي في التلقين ؛ ثم الاستغنائية ، وهي كمرتبة الطائر إذا نهض من عشه ، والصبي بعد التلقين من معلمه ؛ ثم الجودية وهي كمرتبة المربّى لفراخه ، والمرشد للغير إلى مصالحه . فالمرتبة الأولى قريبة الحال من الطبيعية ؛ والمرتبة الثانية قريبة الحال من الإلجائية ؛ والمرتبة الثالثة هي الاختيارية المطلقة . - وإذا عرف هذا في الأفعال الإنسيّة علم أن المرتبة الافتقارية ليست بمستصلحة للشيء بل هي مضطرة إلى من يصلح ذات المطبوع عليها . وأما المرتبة الاستغنائية فهي مصلحة للواحد الفرد من المطبوعات . وأما المرتبة الجودية فهي المستصلحة للكثير . وإن كان الاستصلاح للواحد الفريد من الناس فاضلا محمودا فاستصلاح العدد الكثير أفضل . - لن تصير النفس الانسانية مستعدة لنيل السعادة العظمى الا إذا سلمت من انحلالها ، ونقّيت من صدأها . فأما الممنوّ بها « 33 » فلا يصلح لاقتناء الحكمة ، والعادم للحكمة لا يفوز بالسعادة . فأما انحلالها فيكون على أربع درجات : أولها الكسل ، ثم الغباوة ، ثم القحّة ، ثم الانهماك . وعلاجه استشعار التقوى ، والمحافظة على العبادات ، والنفقة في أبواب البر . فأما أضدادها فتكون أيضا على أربع درجات : أولها الزيغ ، ثم
--> ( 33 ) ص : بهما .